الشيخ الطبرسي
103
تفسير مجمع البيان
ويدل عليه قوله : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) وقوله : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) . واختلف في كيفية إنزاله فقيل : أنزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ، ثم أنزل نجوما إلى النبي ( ص ) . وقيل : إنه كان ينزل جميع ما يحتاج في كل سنة في تلك الليلة ، ثم كان ينزلها جبرائيل ( ع ) شيئا فشيئا ، وقت وقوع الحاجة إليه . وقيل : كان بدء إنزاله في ليلة القدر . وروي عن ابن عباس أنه قال : قد كلم الله جبرائيل في ليلة واحدة ، وهي ليلة القدر ، فسمعه جبرائيل ، وحفظه بقلبه ، وجاء به إلى السماء الدنيا إلى الكتبة ، وكتبوه . ثم نزل على محمد ( ص ) بالنجوم في ثلاث وعشرين سنة . وقيل : في عشرين سنة . وإنما وصف الله سبحانه هذه الليلة بأنها مباركة لأن فيها يقسم الله نعمه على عباده من السنة إلى السنة ، فتدوم بركاتها . والبركة نماء الخير وضدها الشؤم وهو نماء الشر . فالليلة التي أنزل فيها كتاب الله ، مباركة ينمى الخير فيها على ما دبر الله سبحانه لها من علو مرتبتها ، واستجابة الدعاء فيها . ( إنا كنا منذرين ) أي مخوفين بما أنزلناه من تعذيب العصاة . والإنذار : الإعلام لموضع الخوف ليتقى ، وموضع الأمن ليجتبى . فالله عز اسمه قد أنذر عباده بأتم الإنذار من طريق العقل والسمع . ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) أي في هذه الليلة يفصل ويبين . والمعنى : يقضي كل أمر محكم لا تلحقه الزيادة والنقصان ، وهو أنه يقسم فيها الآجال والأرزاق وغيرها من أمور السنة إلى مثلها من العام القابل ، عن ابن عباس والحسن وقتادة . وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق ، وقد وقع اسمه في الموتى . وقالى عكرمة : هي ليلة النصف من شعبان ، يبرم فيها أمر السنة ، وينسخ الأحياء من الأموات ، ويكتب الحاج فلا يزيد فيهم أحد ، ولا ينقص منهم أحد . ( أمرا من عندنا ) معناه : إنا نأمر ببيان ذلك ونسخه من اللوح المحفوظ ( إنا كنا مرسلين ) محمدا إلى عبادنا ، كمن كان قبله من الأنبياء ( رحمة من ربك ) أي رأفة منا بخلقنا ، ونعمة منا عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل ، عن ابن عباس . ( إنه هو السميع ) لمن دعاه من عباده ( العليم ) بمصالحهم ( رب السماوات والأرض ) أي خالقهما ومدبرهما ( وما بينهما إن كنتم موقنين ) بهذا الخبر ، محققين له ، وهو أنه ( لا إله إلا هو ) لا يستحق العبادة سواه ( يحيي ) الخلق بعد موتهم ( ويميت ) أي